محمد بن جرير الطبري
52
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ قيل المشركين عند نزولها : قد رضينا بأن تكون آلهتنا مع عيسى وعزيز والملائكة ، لأن كل هؤلاء مما يعبد من دون الله ، قال الله عز وجل : وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وقالوا : أآلهتنا خير أم هو ؟ ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، ثنا أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ قال : يعني قريشا لما قيل لهم إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ فقالت له قريش : فما ابن مريم ؟ قال : ذاك عبد الله ورسوله ، فقالوا : والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم ربا ، فقال الله عز وجل : ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ . واختلفت القراء في قراءة قوله : يَصِدُّونَ فقرأته عامة قراء المدينة ، وجماعة من قراء الكوفة : " يصدون " بضم الصاد . وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة والبصرة يَصِدُّونَ بكسر الصاد . واختلف أهل العلم بكلام العرب في فرق ما بين ذلك إذا قرئ بضم الصاد ، وإذا قرئ بكسرها ، فقال بعض نحويي البصرة ، ووافقه عليه بعض الكوفيين : هما لغتان بمعنى واحد ، مثل يشد ويشد ، وينم وينم من النميمة . وقال آخر : منهم من كسر الصاد فمجازها يضجون ، ومن ضمها فمجازها يعدلون . وقال بعض من كسرها : فإنه أراد يضجون ، ومن ضمها فإنه أراد الصدود عن الحق . وحدثت عن الفراء قال : ثني أبو بكر بن عياش ، أن عاصما ترك يصدون من قراءة أبي عبد الرحمن ، وقرأ يصدون ، قال : قال أبو بكر : حدثني عاصم ، عن أبي رزين ، عن أبي يحيى ، أن ابن عباس لقي ابن أخي عبيد بن عمير ، فقال : إن عمك لعربي ، فما له يلحن في قوله : " إذا قومك منه يصدون " ، وإنما هي يَصِدُّونَ . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان ، ولغتان مشهورتان بمعنى واحد ، ولم نجد أهل التأويل فرقوا بين معنى ذلك إذا قرئ بالضم والكسر ، ولو كان مختلفا معناه ، لقد كان الاختلاف في تأويله بين أهله موجودا وجود اختلاف القراءة فيه باختلاف اللغتين ، ولكن لما لم يكن مختلف المعنى لم يختلفوا في أن تأويله : يضجون ويجزعون ، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب . ذكر ما قلنا في تأويل ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ قال : يضجون . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ يقول : يضجون . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا أبو حمزة ، عن المغيرة الضبي ، عن الصعب بن عثمان قال : كان ابن عباس يقرأ إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ، وكان يفسرها يقول : يضجون . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن عاصم ، عن أبي رزين ، عن ابن عباس إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ قال : يضجون . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة عن عاصم عن أبي رزين ، عن ابن عباس بمثله . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، في قول الله عز وجل : إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ قال : يضجون . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ أي يجزعون ويضجون . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس أنه قرأها يَصِدُّونَ أي يضجون ، وقرأ علي رضي الله عنه يَصِدُّونَ . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله : إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ قال : يضجون . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ قال : يضجون . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ . . . أَنْعَمْنا عَلَيْهِ